ابن حزم
747
الاحكام
ومن روى في حديث النعمان الذي ذكرنا لفظه أوشك فهو زائد على ما رواه زكريا فزيادة العدل مقبولة ، فكيف وقد زاد هذه اللفظة ومعناها من هو أجل من زكريا ومثله ، وهما ابن عون وأبو فروة ، وبهذا تتألف الأحاديث وطرقها ، ويصح استعمال جميع أقوال الرواة ، وبالله تعالى التوفيق . فإن تعلقوا بما حدثناه صاحبنا أحمد بن عمر بن أنس العذري قال : أنا أحمد بن علي الكسائي بمكة ، أنا أبو الفضل العباس بن محمد بن نصر الرافقي ، ثنا هلال بن العلاء الرقي ، ثنا إبراهيم بن سعيد ، ثنا أبو النضر ، ثنا أبو عقيل ، عن عبد الله بن يزيد الدمشقي ، عن ربيعة بن يزيد ، وعطية بن قيس كلاهما ، عن عطية السعدي ، وكانت له صحبة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما به بأس . فالقول في هذا الحديث كالقول في حديث النعمان سواء بسواء ، وإنما هو حض لا إيجاب . وقد علمنا أن من لم يجتنب المتشابه وهو الذي لا بأس به ، فليس من أهل الورع ، وأهل الورع هم المتقون ، لان المتقين جمع متق ، والمتقي الخائف ، ومن خاف مواقعة الحرام فهو الخائف حقا . ولعمري إن أولى الناس ألا يحتج بهذا الحديث من يرى قول الله تعالى : * ( وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين ) * ليس فرضا ، بل قالوا : المتعة ليست بواجبة ، فقد صرحوا بأن كون المرء من المتقين ليس عليه بواجب ، لا سيما وفي هذا الحديث معنى الحض لا الايجاب ، وفي الآية التي تلونا لفظ معنى الفرض بقوله تعالى : * ( حقا على المتقين ) * وكل مسلم لفظ بالتوحيد اتقى النار فهو متق ، إلا أن لفظ المتقين لا يطلق إلا على المستكملين لدرجة الخوف . كما أن من صلح في فعلة واحدة من أفعاله فهو صالح ، ومن فعل فضلا فهو به فاضل ، إلا أنه بلا خلاف لا يطلق على المرء اسم صالح وفاضل إلا بعد أن يبلغ الغاية التي تمكنه من الطاعات والورع . ومعاذ الله أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام المذكور إلا على هذا الوجه - هذا إن صح عنه لأنه لو كان ظن خصومنا في هذا الحديث حقا لكان نصه عليه السلام على ترك ما لا بأس به أعظم الحكم بأنه من أعظم الناس ، لان